عبد الوهاب الشعراني
438
لواقح الأنوار القدسية في بيان العهود المحمدية
ما عملته قط ، وما حملني عليه إلا الحاجة ، فقال أو تفعلين هذا من مخافة اللّه ؟ فأنا أحرى بذلك اذهبي ولك ما أعطيتك ، وو اللّه لا أعصيه بعدها أبدا ، فمات من ليلته فأصبح مكتوبا على بابه ، إن اللّه قد غفر للكفيل فعجب الناس من ذلك . وروى الشيخان وغيرهما مرفوعا : « كان رجل يسرف على نفسه ، فلمّا حضره الموت قال لبنيه إذا أنا متّ فأحرقوني واسحقوني ثمّ ذرّوني في الرّيح ، فو اللّه لئن قدر اللّه عليّ ليعذّبني عذابا ما عذّبه أحدا ، فلمّا مات فعل به بنوه ذلك . فأمر اللّه الأرض أن اجمعي ما فيك ففعلت فإذا هو قائم فقال : ما حملك على ما صنعت ؟ قال : خشيتك يا ربّ أو قال مخافتك ، فغفر له » . وفي رواية للشيخين مرفوعا : « قال رجل لم يعمل حسنة قطّ لأهله : إذا متّ فأحرقوه ثمّ ذرّوا نصفه في البرّ ونصفه في البحر ، فو اللّه لئن قدر اللّه عليه ليعذّبنّه عذابا لا يعذّبه أحدا من العالمين ، فلمّا مات الرّجل فعلوا به ما أمرهم ، فأمر اللّه البرّ فجمع ما فيه ، وأمر البحر فجمع ما فيه ، ثمّ قال : لم فعلت هذا ؟ قال : من خشيتك يا ربّ وأنت أعلم فغفر اللّه تعالى له » . وروى الترمذي والبيهقي مرفوعا : « قال اللّه عزّ وجلّ أخرجوا من النّار من ذكرني يوما أو خافني في مقام » . وروى ابن حبان في « صحيحه » فيما روى صلى اللّه عليه وسلم عن ربه عز وجل أنه قال : « وعزّتي وجلالي لا يجتمع على عبدي خوفان وأمنان إذا خافني في الدّنيا أمّنته يوم القيامة ، وإذا أمنني في الدّنيا أخفته يوم القيامة » . وروى البخاري والترمذي وغيرهما مرفوعا : « واللّه لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا ، وما تلذّذتم بالنّساء على الفرش ، ولخرجتم إلى الصّعدات تجأرون إلى اللّه ، واللّه إنّي لوددت أنّي شجرة تعضد » والصعدات : الطرقات . وروى أبو الشيخ مرفوعا : « من خاف اللّه عزّ وجلّ خوّف اللّه منه كلّ شيء ، ومن لم يخف اللّه خوّفه اللّه من كلّ شيء » واللّه تعالى أعلم . [ رجاء اللّه والظن به خيرا : ] ( أخذ علينا العهد العام من رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ) أن يكون رجاؤنا وظننا في اللّه تعالى حسنا بطريقه الشرعي بأن نأتي بجميع المأمورات الشرعية ، ثم نرجو فضل ربنا ونعول على فضله لا على تلك الأعمال ، فإنه لو آخذنا بما في طاعاتنا من سوء الأدب معه لعذبنا أبد الآبدين ، وهذا الرجاء والظن باللّه تعالى متعين على الإنسان في كل نفس ، ومن قال إن ترجيح حسن الظن لا يكون إلا عند الموت قلنا له والموت حاضر عندنا في كل نفس من الأنفاس ، ليس لنا عهد من اللّه تعالى برجوع نفس واحد إذا خرج ، فيحتاج المؤمن إلى عينين عين ينظر بها إلى حضرة الانتقام فيخاف من اللّه تعالى ، وعين ينظر بها حضرة